محمد هادي معرفة
42
شبهات وردود حول القرآن الكريم
وهذا هو الرأي الصحيح ، فقد رخّص اللّه لنوح أن يحمل معه ما يملكه من الحيوانات الأهلية بقدر ما يحتاج إليه من زاد وراحلة ، ولا يثقل حمله حتّى تعود الأحوال إلى أوضاعها الأولى . وأمّا سائر الأحياء الأهلية والوحش فتتشرّد لوجهها ولا تبقى في المنطقة المصابة بالحادث ، كما هو مألوف . هذا ما يدلّ عليه نصّ القرآن لا أكثر . والزوجان - في الآية - يراد به المتعدّد في تشاكل ، أي من كلّ جنس عددا يفي لتأمين الحاجة بها . وهذا نظير قوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها ( في الأرض ) زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ « 1 » أي من كلّ نوع في أشكال وألوان متقاربة ومتنوّعة ، كالتفّاحة في أشكالها وألوانها ، وهكذا الليمون والرّمان وسائر الفواكه من كلّ نوع فيها أزواج متشابهة . كما قال تعالى : وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ « 2 » أي متشاكلا وغير متشاكل . وجاء في وصف فواكه الجنّة : فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ « 3 » أي صنفان متشاكلان . والمراد المتعدّد في أشكال وأصناف ، كما قال : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً « 4 » أي متشاكلا . ومن الواضح أنّ الثمرة - وهي الفاكهة - ليس فيها ذكر ولا أنثى ولا تزاوج لقاح ، وإنّما ذاك في بذور الأزهار لا في الفواكه والثمار . على أنّها لغة دارجة : أن يراد بالمثنّى الشياع في الجنس لا الاثنان عددا . قال أبو علي : الزوجان في قوله : مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ يراد بهما الشياع وليس يراد بهما عدد الاثنين ، كما قال الشاعر : فاعمد لما يعلو فمالك بالذي * لا تستطيع من الأمور يدان يريد : الأيدي والقوى الكثيرة حتّى يستطيع التغلّب بها على الأمور . قال : ويبيّن هذا المعنى أيضا قول الفرزدق : وكلّ رفيقي كلّ رحل وإن هما * تعاطى القنا قوما هما أخوان « 5 »
--> ( 1 ) الرعد 13 : 3 . ( 2 ) الأنعام 6 : 141 . ( 3 ) الرحمن 55 : 52 . ( 4 ) البقرة 2 : 25 . ( 5 ) تعاطى مخفّف تعاطيا ، حذف اللام للضرورة . جامع الشواهد ، ص 324 .